عربيعربي
بين البقاء والنزوح: قراءة في حركة السكان بقطاع غزة (20–27 أغسطس 2025)

بين البقاء والنزوح: قراءة في حركة السكان بقطاع غزة (20–27 أغسطس 2025)

أولاً: السياق العام:
شهدت مدينة غزة ومحيطها خلال الفترة الممتدة من 23 حتى 27 أغسطس 2025 تصاعداً ملحوظاً في حركة النزوح، رافقها قصف مدفعي وغارات جوية، إلى جانب تصاعد وتيرة العمليات العسكرية الإسرائيلية في مناطق شمال وادي غزة، بما في ذلك تحركات ميدانية للآليات. هذه التطورات انعكست مباشرة على أنماط حركة السكان، ما بين نزوح جماعي، نزوح متقطع، وحالات نزوح عكسي باتجاه الأحياء الأصلية بعد هدوء نسبي للأوضاع.
ثانياً: معطيات النزوح:
1. استقرار نسبي في بداية الفترة (20 – 24 أغسطس 2025):
• لم تُسجَّل موجات نزوح كبيرة من مدينة غزة نحو جنوب وادي غزة.
• بلغ عدد النازحين إلى جنوب وادي غزة 535 شخصاً يوم الجمعة 22 أغسطس2025، مقارنة بـ 647 يوم الخميس 21 أغسطس2025، و394 يوم الأربعاء20 أغسطس2025 .
• جزء كبير من النازحين عادوا في نفس اليوم إلى مدينة غزة بعد تأمين احتياجاتهم في مناطق الجنوب .
• الملاحظ أن غالبية النازحين من المناطق المهددة (الزيتون، الصبرة، الشيخ رضوان) اتجهوا نحو غرب مدينة غزة، حيث استأجرت العديد من الأسر شققاً أو محلات تجارية بهدف الإقامة الطويل .
2. تصاعد النزوح وتسجيل حركة نزوح عكسي (25 أغسطس 2025):
• سجّل الميدان نزوح حوالي1150 شخصاً من شمال الوادي إلى جنوبه .
• في المقابل، برزت حركة نزوح عكسي؛ إذ عاد نحو 140 عائلة إلى حي بئر النعجة و90 عائلة إلى جباليا النزلة .
• مع تقدم الآليات العسكرية الإسرائيلية باتجاه الصفطاوي وجباليا النزلة، شهدت تلك المناطق نزوحاً ملحوظاً باتجاه الشيخ رضوان والرمال، قبل أن تعود غالبية الأسر لاحقاً بعد هدوء نسبي.
3. النزوح الجماعي واسع النطاق (26 – 27 أغسطس 2025):
• تم تسجيل نزوح جماعي يقدَّر بنحو 2400 عائلة من أحياء جباليا البلد، النزلة، والصفطاوي، في مشاهد وُصفت بالقاسية والمروعة، حيث خرجت الأسر بلا متاع تقريباً ودون طعام أو ماء. 
• قرابة نصف هذه الأسر اتجه غرباً صوب مدينة غزة (الخيام، بيوت الأقارب والأصدقاء)، فيما لجأت مجموعات أخرى إلى حي الشيخ عجلين، ونزحت مئات الأسر جنوباً نحو وادي غزة.
• من بين هذه الحركة، تم رصد نزوح 1135 فرداً (نحو 227 أسرة) من شمال الوادي إلى جنوبه، معظمهم من مناطق الإخلاء المعلنة، إضافة إلى مواقع نزوح أخرى لم تُستهدف بعد .
• رغم اتساع الحركة، لوحظت أيضاً عودة بعض الأسر إلى مناطقها الأصلية بعد هدوء مؤقت، ما يعكس حالة التردد والانقسام في قرارات النزوح. 
ثالثاً: الملاحظات التحليلية:

  • تشير المعطيات إلى عدم رغبة واضحة لدى السكان في الانتقال نحو جنوب وادي غزة، إذ يفضّل معظمهم البقاء غرب المدينة أو في شمالها الغربي بالقرب من مسارات مرور الشاحنات أو جنوبها الغربي في حي الشيخ عجلين.
  • النزوح إلى الجنوب ما زال محدوداً مقارنة بحجم المخاطر، ما يعكس تمسّك السكان بالبقاء قريبين من بيوتهم قدر المستطاع.
  • القدرة الاستيعابية لمناطق وسط وجنوب القطاع تبقى محدودة جداً، سواء على مستوى المراكز الصحية أو مراكز الإيواء أو البنية التحتية، الأمر الذي يهدد بكارثة إنسانية في حال توسعت موجات النزوح.

ما يجري لا يمكن اعتباره حركة نزوح مستقرة أو نهائية، بل ديناميكية معقدة من نزوح متكرر وعودة مشروطة بالهدوء النسبي، ما يعكس هشاشة الوضع الأمني والإنساني على الأرض.رابعاً: الخلاصة:
إن حركة النزوح خلال الفترة 20 – 27 أغسطس 2025 تُظهر مزيجاً من النزوح الجماعي، النزوح المحدود، والنزوح العكسي، في ظل ظروف قاسية وغياب أي ضمانات لحماية المدنيين. كما أن هذه المعطيات تعكس استمرار سياسة الضغط العسكري على السكان لإجبارهم على المغادرة، مقابل مقاومة مدنية للبقاء قريبة من البيوت والأحياء الأصلية، رغم المخاطر.
 

  محمود وفيق الشرقاوي

  محامٍ وكاتب فلسطيني، هُجرت عائلته إلى قطاع غزة عام 1948 من مدينة يافا، باحث قانوني ضمن فريق المرصد الفلسطيني للنزوح الداخلي.