بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، ظنّ كثيرون أن معاناة المدنيين في قطاع غزة ستنتهي، وأن السلام النسبي سيعود إلى حياتهم. لكن الواقع على الأرض كشف شيئًا مختلفًا تمامًا. آلاف الفلسطينيين قرب ما أصبح يعرف بـ “الخط الأصفر" يعيشون حياة معلقة بين الخوف المستمر، الموت المفاجئ، والنزوح المتكرر. المباني مدمرة، الخيام تتهاوى، الخدمات الأساسية نادرة، والحياة أصبحت معركة يومية للبقاء على قيد الحياة.
يمتد الخط الأصفر من شمال غزة إلى جنوبها، وكان من المفترض أن يشكّل حدًا يحمي المدنيين. اليوم، أصبح رمزًا للخطر الدائم. تحركات قوات الاحتلال لتوسيع سيطرتها و"المكعبات الصفراء" تفرض واقعًا جديدًا: نزوح صامت بلا إنذار، بلا إعلان، مجرد هروب يومي من الموت وفقدان المأوى.
هذا النزوح يختلف عن النزوح التقليدي؛ يحدث بصمت يوميًا، حيث يواجه المدنيون الموت وفقدان ممتلكاتهم، بلا أي تدخل رسمي لتوفير بدائل آمنة. الحياة أصبحت خاضعة للصبر والتحمل، وكل يوم يمرّ يزيد من الألم والخوف. الخط الأصفر ليس مجرد خط جغرافي على الخريطة، بل مساحة حية تعكس حجم المعاناة اليومية. المباني المحطمة، والحفر في الطرقات، والخيام المتهالكة، كلها تشير إلى واقع هش لا يرحم. الأطفال يركضون بين الركام، والبالغون يتحركون بحذر من دون توقف، وكأن كل خطوة قد تكون الأخيرة. رائحة الغبار والمادة المحترقة تملأ المكان، وأصوات الطائرات والرصاص تتخلل الصمت، لتذكر الجميع بأن البقاء هنا ليس حقًا مضمونًا، بل تحدٍ مستمر يفرضه الخطر على مدار الساعة.
شهادات المدنيين: أصوات من قلب النزوح الصامت
في زوايا المدينة المدمرة، حيث الركام صار رفيقًا دائمًا، والخيام تنهار مع كل نسمة ريح أو قطرة مطر، يعيش الناس حياةً على حافة الخوف والموت. كلماتهم أحيانًا عاجزة عن نقل حجم الرعب والضياع، لكن الواقع حولهم يصرخ، ويكشف تفاصيل حياة لا تحتمل الانتظار.
أميرة العطار، 35 عامًا، أم لسبعة أطفال، نزحت مع عائلتها أكثر من 20 مرة، متنقلة بين الركام والخيام المتهاوية. بعد إعلان الهدنة، عادت إلى بيتها المدمر، نصبت خيمة فوق الركام، محاولةً خلق مساحة للنجاة وسط الخراب.
"في كل نهار وليلاً، أصوات الطائرات والرصاص تحلق فوقنا… الانفجارات لا تهدأ. أخاف على أولادي في كل لحظة. ذات يوم، بينما كان ابني أمير يجلس بجانبي ويأكل البرتقال، دخلت رصاصة من جهة وخرجت من الأخرى. صغيري فقد القدرة على الكلام، وحالته النفسية والجسدية تتدهور يومًا بعد يوم، وأنا عاجزة عن حمايته."
الخيمة التي نصبتها ليست مأوى، لكنها حياة مؤقتة على أطراف الأمل، كل يوم يسرق شيئًا من روحهم وابتساماتهم.
إيهاب أبو راس، 50 عامًا، نزح مع أسرته أكثر من 10 مرات منذ بداية الحرب. بعد الهدنة، عاد إلى منزله المدمر، لكن أصوات الرصاص والصفارات أعادت ذكريات الرعب وكأن الحرب لم تنتهِ. استقر في مخيم النصيرات، حيث الخيام منهارة، لا خصوصية، لا مياه، لا كهرباء، لكنه يرى أن البقاء في مكان بلا إطلاق نار أفضل من مواجهة الموت المستمر قرب الخط الأصفر.
"ليالي مرت وكأن الحرب بدأت من جديد… الطائرات والرصاص فوق رؤوسنا. كنت أركض لأحمي أطفالي، وكل مرة أظن أن الفوضى لن تنتهي."
عبد اللطيف مهرة، 44 عامًا، أصيب في قدمه وعينه خلال قصف سابق وفقد البصر. حياته اليومية صارت رحلة نزوح متكررة تحت المطر والبرد والقصف.
"المطر يهدم خيمتنا أكثر من القصف… نعود دائمًا لنفس المكان، ليس لأنه الأفضل، بل لأنه الوحيد. الأطفال يمرضون، والبرد يتسلل إلى أجسادهم، ونحن عاجزون عن أي حماية. كل لحظة هنا تذكرنا بأن السلام لم يأتِ بعد، وأن الخوف صار رفيقنا الدائم."
دانا العطار، 7 سنوات، عاشت طفولتها بين القصف المستمر والخوف الدائم، متنقلة مع عائلتها أكثر من 20 مرة بين الخيام والركام، لكنها لم تترك قريتها قرب الخط الأصفر، حيث منزل العائلة المدمر في بيت لاهيا. رغم أن المكان يذكّرهم دومًا بالانفجار الذي أودى بحياة دانا، وباللحظات الرهيبة التي حرقت جسدها أمام أعينهم، لم يغادروا قريتهم بحثًا عن أمان، فغياب البدائل وعدم انسحاب الجيش الإسرائيلي تركهم محاصرين بين الخوف والمأوى الوحيد المتاح لهم.
في أحد الأيام، بينما كانت دانا تساعد أمها وجدها في إعداد الطعام على النار داخل الخيمة، وقع انفجار مفاجئ في المنطقة. لحظة واحدة قلبت حياتهم رأسًا على عقب، إذ التهمت النيران جسد الطفلة الصغيرة. تصف أمها المشهد بصوت يختنق بالحزن:
"وجدت طفلتي تحترق أمام عيني، حاولنا إخماد النار، لكن لم نستطع… حرقت دانا أمامنا، وقلبي انفطر."
نُقلت دانا على وجه السرعة إلى المستشفى ودخلت العناية المشددة لأكثر من أسبوع، قبل أن يُقرر الأطباء تحويلها للعلاج خارج غزة، في الأردن، في محاولة يائسة لإنقاذها. بعد أيام من المعاناة، فارقت الحياة، تاركة وراءها فراغًا لا يُملأ وحزنًا يثقل قلب والدتها وعائلتها، بينما يذكّرهم كل حجر وكل جدار بالقرب من الخط الأصفر بخسارتهم الأليمة.
هذه القصة ليست مجرد حادثة مأساوية، بل رمز حي لمعاناة آلاف الأطفال في غزة الذين حُرمت طفولتهم بالقصف المستمر، وعاشوا النزوح المتكرر والموت القريب، لتصبح الحرب حقيقة تقصم البراءة وتترك ندوبًا عميقة في الروح قبل الجسد.
تجمع هذه الشهادات بين الألم اليومي والمقاومة الصامتة للأسر، حيث يكبر الأطفال وسط أصوات الانفجارات، ويصبح خوفهم جزءًا من حياتهم، بينما تحاول النساء حماية ما تبقى من أسرهن وأحلامهن وسط الخطر المستمر، ويركض الرجال بين الركام بحثًا عن مأوى مؤقت ولقمة يومية، وكأنهم يحاولون الإمساك بالوقت المهدور وحماية بقايا الإنسانية في قلب الخراب.
كل يوم هنا يضيف فصلًا جديدًا للنزوح الصامت، يلتهم الطفولة والأمان معًا، ويحوّل حياة المدنيين إلى سلسلة متواصلة من الصدمات والصبر القاسي. هذه المعاناة ليست مجرد أرقام أو قصص تُقرأ، بل صرخة يومية من قلوب حية تتألم، تذكّر العالم بأن الحرية والأمان والكرامة ليست رفاهية، بل حق أساسي يجب الدفاع عنه وحمايته بكل الوسائل الممكنة.
سوء البنية التحتية، نقص الخدمات الأساسية، وانعدام الخصوصية يجعل النزوح المتكرر حتميًا للبقاء على قيد الحياة، وليس خيارًا. كل يوم تأخير في توفير بدائل آمنة أو إعادة تأهيل البنية التحتية يعني استمرار حلقة الرعب والمعاناة وإطالة أمد الجرح النفسي والجسدي لهذه الأسر.
النزوح الصامت وأبعاده الإنسانية والجغرافية
يشهد قطاع غزة موجة نزوح صامتة، حيث أجبرت التقديرات الأخيرة الجهات الحقوقية على الإشارة إلى أن أكثر من 220 ألف شخص اضطروا للنزوح داخليًا منذ بداية التصعيد الأخير، فيما اضطرت بعض الأسر إلى الانتقال أكثر من 20 مرة بحثًا عن مأوى آمن. يتركز أكبر عدد من النازحين في قلب مدينة غزة، خصوصًا في المناطق الشرقية: الشجاعية، التفاح الشرقي، الزيتون الشرقي، وأجزاء من الجنوب شرق شارع صلاح الدين، وهي مناطق تشهد قصفًا متواصلًا ونشاطًا مكثفًا للقناصة، ما يجعل البقاء فيها مخاطرة مستمرة.
تؤكد تقارير الأونروا وأوتشا أن المراكز المخصصة لاستقبال النازحين تعاني اكتظاظًا يزيد عن 120% في بعض المواقع، بينما يعاني 70% من السكان من انعدام المياه وانقطاع الكهرباء لأكثر من 18 ساعة يوميًا. الرعاية الصحية محدودة للغاية، ويعيش الأطفال تحت تهديد دائم للصدمات النفسية، حيث أظهرت الدراسات أن 65% منهم يعانون من مشاكل نفسية متزايدة مقارنة بما قبل التصعيد.
الأسر هنا تعيش حياة مزدوجة: محاولة البقاء على قيد الحياة في اللحظة الراهنة، وبين البحث المستمر عن شعور بسيط بالأمان قد يعيد لهم توازن حياتهم. كل نزوح جديد يحمل معه فقدانًا إضافيًا للذكريات والممتلكات، ويزيد من وطأة الصدمة على الأطفال والكبار على حد سواء. كما قالت ممثلة مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا):
"الوضع الإنساني يتدهور يومًا بعد يوم، والنزوح المتكرر يضاعف هشاشة الأسر ويترك آلاف الأطفال معرضين لخطر الصدمات طويلة الأمد."
تضاف هذه الحقائق إلى حقيقة أن الضغط السكاني على قلب مدينة غزة ازداد بشكل غير مسبوق، ما يجعل النزوح الصامت ليس مجرد انتقال مادي، بل تجربة إنسانية قاسية، تعكس عمق المعاناة اليومية التي يعيشها السكان تحت وطأة النزاع المستمر.
أبعاد سياسية، حقوقية وإنسانية للنزوح الصامت
يشير الخبير السياسي مصطفى إبراهيم إلى أن ما يحدث قرب الخط الأصفر يُعد نزوحًا صامتًا قسريًا، تفرضه تحركات الاحتلال لتوسيع سيطرته، وليس اختيارًا من المدنيين: "الخط الأصفر، الذي كان يفترض أن يحمي المدنيين بعد وقف إطلاق النار، أصبح مصدر خطر دائم. المدنيون يعيشون بلا أي إنذار، تحت القصف العشوائي، وسط نقص المياه والكهرباء والخدمات الأساسية. الحياة هناك شبه مستحيلة، وأي لحظة قد تقلب حياتهم رأسًا على عقب."
ويضيف إبراهيم: "العقاب لا يقتصر على القصف فقط، بل يمتد إلى انهيار الخيام، المطر والرياح، والبنية التحتية المتداعية. الأطفال يفقدون طفولتهم، النساء يتحملن عبء الرعاية وسط ظروف قاسية، والرجال مجبرون على حماية ما تبقى من منازلهم. الحل لا يكون بتقليل النزوح فقط، بل بتوفير بدائل سكن آمنة، إصلاح البنية التحتية، وضمان وصول المواد الأساسية للبناء، مع التزام المجتمع الدولي بالقوانين الإنسانية."
من جهته، يؤكد يوسف إبراهيم، من مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان، أن المدنيين يعيشون حياة يومية من الصراع المستمر: "الشوارع ممتلئة بالخيام المتهالكة، الأطفال يتعلمون الخوف والصبر منذ الصباح وحتى الليل، والبالغون يركضون من قصف إلى آخر بحثًا عن مأوى ولو مؤقت. النساء وكبار السن يعانون فقدان الأمان، انقطاع التعليم والخدمات الصحية، وزيادة العنف القائم على النوع الاجتماعي، بينما تنهار الروابط المجتمعية تدريجيًا تحت وطأة الصدمة المستمرة."
ويضيف المستشار القانوني سعيد عبد الله البعد القانوني: "استمرار هذا النزوح يشكل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني ويقع ضمن العقاب الجماعي المحظور. تشير اتفاقية جنيف الرابعة (1949) إلى حظر الترحيل القسري للسكان المدنيين، ووجوب حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية. حرمان السكان من مأوى آمن وخدمات أساسية، وتركهم معرضين للقصف أو الظروف الجوية القاسية، قد يُعتبر جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية وفق نظام روما الأساسي. كل يوم تأخير في توفير الحماية يزيد من حجم الانتهاكات والجرائم التي ترتكب بحق المدنيين، والواقع هنا يصرخ بأن المدنيين يعيشون تحت وطأة انتهاكات متكررة، وتجاهلها مسؤولية جماعية."
ويحذّر مختصون في الصحة النفسية من أن النزوح المتكرر، خصوصًا في مناطق التوتر القريب من الخط الأصفر، يخلق ما يُعرف بالإجهاد الصدمي المزمن، حيث يعيش الأفراد في حالة تأهب دائم، دون فرصة حقيقية للتعافي. الأطفال، على وجه الخصوص، يفقدون الإحساس بالاستقرار، ويظهر ذلك في اضطرابات النوم، التبول اللاإرادي، صعوبات التركيز، ونوبات الهلع المفاجئة عند سماع أصوات مرتفعة. ومع تكرار الانتقال من مكان إلى آخر، تتآكل قدرة الأسرة على خلق بيئة آمنة، ويتحوّل الخوف إلى حالة طبيعية يومية. هذا النوع من الصدمات لا ينتهي بانتهاء القصف، بل قد يرافق الأطفال لسنوات طويلة، مؤثرًا على نموهم العاطفي وسلوكهم الاجتماعي، في ظل غياب مساحات دعم نفسي كافية داخل القطاع.
قرب الخط الأصفر، آلاف الأسر تعيش نزوحًا صامتًا قسريًا، بلا مأوى آمن، بلا خدمات أساسية، وبلا أي أفق للاستقرار. الأطفال يكبرون وسط صرخات الرصاص والأنقاض، والبالغون يتحملون الخوف اليومي، بينما المطر والرياح تهدم خيامهم المتهالكة وتزيد المعاناة.
سوء البنية التحتية، نقص الخدمات الأساسية، وانعدام الخصوصية يجعل النزوح المتكرر حتميًا للبقاء على قيد الحياة، وليس خيارًا. كل يوم تأخير في توفير بدائل آمنة أو إعادة تأهيل البنية التحتية يعني استمرار حلقة الرعب والمعاناة وإطالة أمد الجرح النفسي والجسدي لهذه الأسر.
التدخل الإنساني لم يعد رفاهية أو خيارًا؛ إنه واجب عاجل وضرورة قانونية. يجب توفير مأوى آمن، ضمان وصول المساعدات الأساسية، حماية المدنيين من القصف، وإعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة. المجتمع الدولي ملزم بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وتطبيق القانون الدولي وفق اتفاقيات حماية المدنيين مثل اتفاقية جنيف الرابعة ونظام روما الأساسي، لضمان ألا يتحول النزوح القسري إلى مأساة دائمة.
حتى تتحقق هذه الإجراءات، ستظل حياة آلاف الفلسطينيين معلقة بين الخط الأصفر والموت الصامت، صرخة يومية تتردد من الخيام المدمرة، المنازل المؤقتة، ومن قلوب من فقدوا الأمان والطمأنينة، لتذكّر العالم بأن الحرية والأمان والكرامة لا تزال حقوقًا يجب حمايتها. وكل دقيقة تأخير تعني حياة معلقة، وكل صمت عالمي يعادل دمًا لم يُحفظ، لتبقى الإنسانية هنا على المحك، والكرامة مجرد حلم يحتاج إلى صوّاحٍ ينقذها.