مشيرة توفيق:
على حافة بسطة لبيع الأواني المنزلية، في شارعٍ جانبي بالمعسكر الغربي لمدينة خانيونس، جنوب قطاع غزة، وقفت آلاء شبير (36 عامًا)، قبل يومين من بدء شهر رمضان 2026، في حيرةٍ من أمرها، تنظرُ تارةً لإبريق الشاي الجديد اللامع، وتارةً أخرى لقِدر الطعام الجرانيت الفاخر.
قالت في نفسها: "سيكونان بديلاً رائعًا لأواني الطهي التي اتّشحت بالسواد، بعد عامين من استخدامها على موقد النار"، وردّت أيضًا: ما نفع ذلك؟!، لقد قاربت الثمانية كيلوات من غاز الطهي التي حصلنا عليها بعد تسعة أشهر أو أكثر، على النفاذ من جرّة الغاز، وسنعودُ من جديد للطهي فوق "البابور".
آلاء، وهي أمُ لثلاثة أطفال، أكبرهم في السادسة عشرة من عمره، استأجرت مطلع العام 2026 في وسط خانيونس، منزلاً، اشتركت في دفع أجرته، مع والدتها، وأختها، وأخويها المتزوّجين. حظيت كلُّ عائلةٍ بغرفة، واشترك الجميعُ في المنافع. كان هذا الخيار الوحيد الذي تمكّنت منه العائلات الخمس، بعد أشهرٍ من النزوح القسري إلى مواصي المدينة غربًا، في غرفةٍ واحدة على سطح منزل أحد المعارف، جرّاء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر 2023.
"أسود من قرن الخروب"، هكذا كما يقول المثل الشعبي، تقول آلاء التي فقدت منزلها في بلدة القرارة شمال شرق خانيونس، عن أيام النزوح القسري التي بدأتها منذ ديسمبر 2023، إبان إخلاء المدينة من سكانها تمهيدًا لاجتياحها البرّي، وإلى أجلٍ غير مسمى.
لم تستطع آلاء في ذلك الوقت، أسوةً بآلاف العائلات، حمل منزلها في حقيبة، كان عليها أن تختارَ فقط بضعًا من قطع الملابس الضرورية لأفراد أسرتها، وحقيبة الأوراق الثبوتية، وكل الخوف، في رحلة نزوحها القسري إلى منزل والدها قرب دوّار أبو حميد وسط خانيونس، ومن هناك إلى المواصي.
"عندما نزحنا من منزل والدي إلى المواصي، أدركت أنني ذاهبة إلى المجهول هذه المرة، وليس إلى بيت مكتمل الأركان وكل الاحتياجات متوفرة فيه، ولذلك حملت ما استطعت من كل ما يمكن أن تحتاجه أسرنا، رغم أن الحصول على وسيلة نقل كان أمرًا أشبه بالمستحيل".
في عميق نفسها لم تستطع آلاء تجاوز كل اللحظات التي اضطرت فيها للمفاضلة بين حاجياتها وكل قطعة من الملابس أو الأثاث كانت بمثابة قطعة من روحها، ثم اضطرت لاحقًا للتخلّي عنها، أمرًا تصفه بالقول:" تعلّمت الاستغناء، فبعد أن كنت مولعة بشراء الأحذية والملابس، والأدوات المنزلية، وقطع الأثاث، صرت أسأل نفسي عشرات المرات قبل أن أشتري شيئًا عن جدوى شرائه، ليس بخلاً أو عجزًا، ولكن لأنني أفكر أيضًا في الطريقة التي سأحمل بها الأشياء معي فيما لو كان علي أن أنزح مرةً أخرى، وكأن النزوح صار عقدتنا، وكذلك المكان، فما يمكن أن تفعله في منزلك مستقلاً، لن تفعله في خيمة، أو منزل مشترك بين خمس عائلات".
غادرت آلاء الحافة المزدحمة لبسطة الأواني المنزلية، حملت حيرتها لحافة بسطة أخرى حيث تقف أختها الكبرى التي اتخذت ذات القرار، بعد نظرٍ طويل لقطع الملابس التي عرضها البائع مدّعيًا أن البضاعة الجديدة تقفُ منذ أسابيع على بوابة المعبر، ويتوقع بدخولها أن تصبح الأسعار أعلى.
سألت الكبرى أختها، ما اشتريتِ؟، فابتسمت آلاء، التي فقد زوجها أيضًا محل الأثاث المنزلي الخاص به بعد تدمير سوق المدينة، وبذلك فقد مصدر رزقه، وأجابت ساخرةً: "ربما حين نتمكن من مدّ خط الإنترنت للبيت الذي لا نعرف كم سنبقى فيه؟، أشتري، كما كنتُ أفعل، عن طريق الإنترنت، وحتى ذلك الحين، سيمضى رمضان، والعيد، دون أن أفعل".
محل على الرصيف
"تميل الناس اليوم لتقليص مشترياتها، أو الشراء من سوق الأدوات المستخدمة، فهي لا تشعر بالأمان، وفي نفس الوقت لا تملك المال الكافي، أضف إلى ذلك أن الخيام وأماكن النزوح، لا تتسع، كما في بيوتنا التي فقدناها خلال الحرب"، يتحدّث محمد أبو هويشل (39 عامًا) الذي فقد منزله في بلدة المغراقة جنوب مدينة غزة، ونزح إلى مخيم النصيرات وسط القطاع منذ أكتوبر 2023.
أبو هويشل وضع خيمة أسرته في أرضٍ فارغة وسط المخيم، وعلى مقربةٍ منها اقتطع من رصيف الشارع جزءًا، حوّله إلى محلٍ صغير يغطي جوانبه قطعًا من الشادر المهترئ، يبيع فيه ويشتري جملةً واسعة من الأدوات والحاجيات المستخدمة، التي يحصل عليها كما يقول من أصحاب البيوت المدمرة الذين ينبشون بأيديهم ركام منازلهم المدمرة، فيأخذون ما يحتاجون، ويبيعون الباقي.
شقّ محمد، المتزوج من اثنتين، وأب لثمانية أطفال، هذا الطريق "من قلة الحيلة وضيق الحال"، بدأ بسيطًا، واستمر في تطوير عمله، إلى أن تمكّن من احتراف إعادة تدوير بعض القطع والأدوات غير ذات النفع لصناعة أخرى نافعة، ومن ذلك تحويل علب المعلبات الفارغة لمواقدٍ لإشعال النار يسمي السكان الواحد منها بــ "الدّخون".
"كريك، طورية، قدّومة، ماكنية لحام، مقص، طنجرة، قلاية، ميزان، سلك شازور، عوّام، حنفية، شبر"، يجيب محمد مارًا في الشارع يسأله عن أشياء يحتاجها، قبل أن يلتفت موضحًا: "أشتريها، أصلّحها إن لزم الأمر، ثم أبيعها لمن يحتاجها، خاصة أن كثير منها لم يصل إلى القطاع منذ قبل الحرب، وإن وجدت جديدة فأسعارها خيالية".
ويزيد الطلب بحسب محمد على أدوات السباكة ومنها "حوض، شبر، كوع، عوّام" لندرتها، وحاجة الناس إليها، حتى أن سعر المرحاض أو ما يسمّى شعبيًا بـ "الكبانيه" ارتفع من 250 شيقلاً قبل الحرب إلى 850 إلى1200 شيقلاً، في وقت إجراء المقابلة في مارس 2026.
وفيما انشغل محمد، بتصليح وصيانة برميل مياه، أحضره أحد الزبائن لإصلاحه من أثر شظية صاروخ قطعت جانبه، يتابع الحديث: "براميل المياه لم تصل إلينا بعد، ومعظم الموجود أصيب بتلف ما، ما رفع الأسعار بشكل جنوني، في ظل حاجة مضاعفة. على سبيل المثال وصل سعر بعض البراميل سعة 200 لتر إلى 300 شيقل، فيما قبل الحرب كان سعر البرميل سعة 1000 لتر 250 شيقل، وكذلك ارتفعت أسعار جالونات المياه سعة 16 لتر، من سعر شيقل واحد للتر، إلى سعر 100 شيقل للجالون".
من داخل خيمته القريبة من محله الصغير، يصرخ طفله كريم: "الكهربا أجت"، يضحك الأب معلّقًا: "لتوسيع وتطوير عملي وتلبية احتياج الناس، أحتاج لمصدر كهرباء، لذلك اشتركت في خط كهرباء لشركة خاصة تعمل في النصيرات، يكلّفني ذلك من 50 إلىـ70 شيقلاً للإضاءة، وشحن الهواتف فقط، فكيف إن شغّلت ماكينة اللحام والديسك؟!".
لماذا نبني الخيم؟
هم انقطاع الكهرباء عن قطاع غزة، وقع فيه أيضًا أحمد الحاج (40 عامًا) من مدينة خانيونس، ويعمل منذ عشرين عامًا نجارًا. فقد منزله ومنجرته في حي الكتيبة وسط مدينة خانيونس، ونزح في ديسمبر 2023 إلى خيمة بمواصي خانيونس، ثم بعد شهر إلى أخرى في مواصي مدينة رفح جنوبًا، ثم إلى ثالثة بخانيونس في مايو 2024، حتى لحظة إجراء المقابلة، في مارس 2026.
"يكلّفني قص قطعة من الخشب إلى نصفين عشرة شواقل بسبب غلاء أسعار الكهرباء اليوم. ومن أجل ذلك تحوّلت من صناعة الأثاث المنزلي على الشكل الذي كنت أعمل عليه قبل الحرب، إلى نمط جديد من العمل. أصنع الخيام وأثاثها بالإمكانيات المتاحة وبأقل تكلفة ممكنة".
تحت حر الشمس، يقف أحمد وابنه الأكبر مع نازحٍ جديد إلى المواصي، قرّر للتو بناء خيمة، وترك المنزل الضيق المتهالك الذي استأجره مقابل 1400 شيكل شهريًا، لأنه لم يعد قادرًا على دفعها بعد انتهاء مدة عقد عمله في إحدى المؤسسات الأهلية.
اتّفق الطرفان على بناء خيمة مساحتها (4*4 متر)، مصحوبة بخيمة أخرى أصغر لتوظيفها كدورة مياه، باستخدام الخشب، والشوادر التي حصل عليها النازح قبل أشهر من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، وخبّأها لوقت حاجة.
سأل النازح الذي بدا التعب جليًّا على وجهه، وصوته بالكاد يسمع في نهار رمضان 2026، أحمدًا وابنه، عن تكلفة عملهما على بناء مأواه الجديد الذي يحتاج يومًا كاملاً ليصبح جاهزًا، قال الأخير: "مئة شيقل"، أجاب الأول: "لا أملك إلا خمسين"، فقبل النجّار، قبول المتمسك بثمن لقمة إفطاره مع زوجته وأطفاله الثلاثة، في ذلك اليوم.
"أنا أقبل بأقل أجر، لأن البدائل أمامي محدودة، لقد استثمرت كل تحويشة عمري لتجهيز منجرتي التي افتتحتها في يونيو 2023، ومسحت عن الوجود في ديسمبر من ذات العام. لا أواجه اليوم ضيق الحال، وعدم قدرة الناس على دفع التكلفة الحقيقية لقاء مجهودي، فمن لا يملك المال سيضطر في النهاية لبناء خيمته بنفسه، لكنني أواجه أيضًا تحديات أكبر على رأسها عدم توفر الأدوات والخامات اللازمة كي أستمر"، يقول.
في أحيان أخرى، يعمل أحمد على بناء الأكشاك، والبسطات، والخزانات، والكراسي، وحوامل الخشب، وكله بالطبع باستخدام ألواح القواعد الخشبية التي ترص عليها البضائع لنقلها وتخزينها، فيما يعرف شعبيًا باسم "المشاطيح"، خاصةً أن ما يعرف بألواح أخشاب "الكريش" الطويلة المستخدمة في البناء لم تعد متوفرة، وحتى إن وجدت فإنها قديمة ومتهالكة ومرتفعة الثمن، ويصل سعر الواحدة منها إلى 300 شيقل، بعد أن كان ب 12 شيقلاً قبل الحرب، كما يصل سعر بناء خيمة منها إلى 4000 شيقلًا.
يوضح أحمد: "قد يتساءل البعض، لماذا نبني الخيم؟، ولكن هناك من لم يحصل إلى اليوم على خيمة من القماش كالتي توزعها المؤسسات الدولية والمحلية، وهناك من حصل عليها بالفعل وتتلف مع طول مدة الاستخدام، وهناك من لم تحمه الخيمة من الظروف الجوية القاسية في بيئة النزوح، ولذلك فإن الأفضل هي تلك التي نبنيها بأيدينا".
وكما لجأ السكان بالفعل لإعادة تدوير أخشاب "المشاطيح" لصنع الأدوات التي يحتاجونها لترتيب حياتهم في بيئة النزوح، لجأ أحمد لاستخدام المصدر ذاته لبناء الخيم، فكل ثلاث قطع من خشبها تصنع زاوية في خيمة جديدة، مع صعوبة أيضًا في توفير المسامير التي يصل سعر الواحد منها (6سم) إلى ثلاثة شواقل.
بيت وصيدلية في 18 متر
مسامير الأزمة أيضًا دقّتها الحرب في رحلة الصيدلانية هالة وليد (33 عامًا) التي وجدت نفسها مؤخرًا أمام تحدي تحويل حاصل مساحته 18 مترًا، إلى بيت، وصيدلية، تجني منها قوت يومها ويوم زوجها وطفليها.
نزحت هالة قسرًا من حي النصر بمدينة غزة، إلى النصيرات، في أكتوبر 2013، تاركةً وراءها بيتها وصيدليتها هي وزوجها "صيدلية دياب" التي يعملان فيها ولا مصدر رزق لهما إياها. كانت أسرة هالة تبحث عن النجاة من ما تسميه "القصف المتوحش على غزة".
في الطريق تعطّلت سيارتها، فاضطرت إلى تركها، والمضي قدمًا في طريقها، قبل أن تعرف لاحقًا أن العودة إلى الشمال صارت مستحيلة، وأنها فقدت السيارة في قصف برجٍ سكني قريب من المكان الذي تركتها فيه.
من النصيرات إلى رفح كانت رحلة النزوح الثانية في ديسمبر، وهناك عاشت هالة حالةً من الألم النفسي، أقعدها عن أي محاولة، فكانت "تعد الأيام، ليلةً بعد ليلةٍ، تريدها أن تمضي وحسب"، قبل أن تعود في مايو 2024 إلى النصيرات مرةً أخرى، وتتخذ قرارها باستئجار كراج سيارة، تقسمه إلى نصفين، نصفٌ فيه منزلها، والنصف الآخر فيه الصيدلية.
"حتى عندما عدنا إلى غزة، في مطلع 2025، وجدت نصف بيتي مدمرًا، فأصلحت ما يمكن إصلاحه، وسكنت فيه، وافتتحت صيدليتي في مكان آخر، فقد فقدت الأولى بكل ما فيها. قبل أن أعود إلى حيث أقيم الآن، في سبتمبر 2025، إبان ما يسميه الاحتلال بعربات جدعون 2، التي دمّرت ما تبقى من منزلي"، تتحدث هالة.
لم تكن أسرة هالة تعرف لها وجهةً حين غادرت المدينة، على الرغم من أنها بقيت حتى اللحظة الأخيرة، تخبئ أطفالها في غرفةٍ بالمنزل، وتعمل في الصيدلية بالتناوب مع زوجها. وصلت إلى النصيرات، وبعد أيامٍ من البحث المضني مشيًا على الأقدام، تمكنت أخيرًا من استئجار حاصل، مساحته 18 مترًا، جعلت النصف الداخلي منه منزلاً، فيما حوّلت الخارجي إلى صيدلية.
وعلى النحو الذي يبحث فيه النجار أحمد عن المسامير في أكوام الخشب، تبحث هالة عن الأدوية بين المستودعات والشركات والأفراد، فكما تشرح: "كنا نحصل على الأصناف التي نريدها من المستودعات، وكانت جميعها متوفرة، ويمكننا دفع أسعارها بنظام رسم البيع، فيكون التحصيل لاحقًا، لكن الآن النظام اختلف، علينا أن نوفر المال قبل أي عملية شراء، كما أننا نضطر للشراء من مندوبين أفراد يحضرون الأدوية في حقائب إلى الصيدليات، ولا تتوفر إلا معهم".
هالة توقفت عن الحديث إلينا للحظات، تذكرت للتو أنها تركت صنبور الماء مفتوحًا، فوق طشت الغسيل، ركضت إلى الداخل أغلقته، ثم عادت تتحدث عن التحديات التي تواجهها أثناء تيسير عمل الصيدلية: "في الوقت الذي قد يتوفر فيه عدة أصناف لنوع واحد من الأدوية، نفتقد أنواع أخرى، وفي بعض الأوقات نجد المفقود، ثم بعد أيام يعاود الاختفاء من السوق، هذا يقطع الطريق في غالب الأحيان على تكوين علاقة وثيقة بيني وبين المرضى".
المهدئات، والمسكنات القوية، وأدوية الأمراض المزمنة، جميعها تفتقدها هالة من السوق اليوم في مارس 2026، تمامًا كما تفتقد ابنها الذي التحق هذا العام بالصف الأول الدراسي، فاضطرت إلى إرساله لبيت عائلتها، من أجل متابعة دروسه، وليكون في بيئة أفضل كما تعتقد.
خبيرة تجميل متنقلة
الحال ذاته ينسحب على خبيرة التجميل مي النجار (37 عامًا)، الذي انتهى بها المطاف بعد سبع مرات من النزوح القسري، في حاصلٍ للإيجار، في شارع الحكر جنوب شرق مدينة دير البلح وسط القطاع، بعد أن دمّر جيش الاحتلال الإسرائيلي منزلها في منطقة جورة اللوت بخانيونس، ومركز التجميل الذي افتتحته وسط المدينة في الأول من أكتوبر 2023.
على كرسي بلاستيك في يمين الحاصل، جلست سيدة ثلاثينية طالما اعتادت الذهاب لمي في صالونها، جاءت من خيمتها في الجنوب لصبغ شعرها، فمي "مرجعها المعتمد للشؤون التجميلية" كما تقول. على الجانب الآخر في يسار الحاصل كان صغيرا مي يلعبان الكرة، فيما تساعد نايا ذات العشر سنوات أمها في تسخين الماء الذي ستغسل به شعر زبونتها، على موقد النار.
"التجميل لدي أكثر من مجرد مهنة، هو شغفي، وسبيلي للنجاة من الظروف النفسية القاسية التي نعيشها في أعقاب الإبادة. لقد استثمرت لأكثر من عشر سنوات من العمل في صالون ميامي من أجل تحقيق حلمي بافتتاح "مركز ميامي للتجميل"، ثم بعد سبعة أيام فقط فقدت كل شيء، بخسارة إجمالية تقدر بمائة ألف دولار"، تقول مي التي غطَت للتو شعر الزبونة بقطع القصدير.
مي خاطرت بنفسها وذهبت إلى ركام منزلها في أبريل 2024 لانتشال وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأدوات ومستحضرات التجميل ذات الجودة العالية التي كانت متوفرة لديها قبل الحرب، جمعت بعضها مما ما زالت تعمل به إلى اليوم، لكنها في المقابل تتفقد الأسواق بين الحين والآخر، فتجد الموجود ما بين تالف أو مغشوش أو مرتفع الثمن بقدر يصل لثلاثة أضعاف ما قبل الحرب، الأمر الذي يحد من قدرتها على توسيع نطاق عملها في المنطقة الجديدة مع زبائنٍ جدد، رغبةً منها في الحفاظ على مستوى عالي من جودة الخدمة التي تقدمها.
التنقل بالمواصلات للوصول إلى زبائنها الذين يحتاج العمل معهم لمكان مناسب أكثر من الحاصل الضيق، كالعرائس مثلاً، يُشكل عقبةً أخرى أمام خبيرة التجميل، التي تضطر إلى المشي على الأقدام، أو ركوب عربات يجرها حيوان، أو دفع تكاليف عالية للوصول إلى الزبائن، لكنها في النهاية تتكبد العناء من أجل أن تستمر في توفير لقمة عيشٍ لأسرتها.
في ذات السياق تتذكر مي بألم كم عملت لتتعلم ولتطور قسم العناية بالبشرة في "مركز ميامي"، لكنها بقيت لفترة طويلة عاجزة عن إكمال وتوظيف ما تعلمته في ظل أزمة انقطاع التيار الكهربائي التي اعتبرتها "أكبر أزمة" عرقلت عملها، حتى عندما توفرت، باتت تكبدها تكلفة عالية "وصلت من ثلاثة شواقل قبل الحرب إلى عشرين أو أكثر للأمبير".
أضف إلى عملها على الأرض، تحاول مي أن تستمر في نشر الفيديوهات والصور عبر منصتي إنستجرام وتيك توك، حيث يتابعها الآلاف، من أجل أن تبقى قريبة من زبائنها على أمل أن يرتفع الحصار، فتبدأ المحاولة من جديد، في مكانٍ وظروفٍ أفضل، وربما "تعجز عن ذلك فتترك كل شيء في الخلف، وتهاجر إلى حيث يمكن أن تحقق حلمها بلا حروب أو نزوح"، على حد تعبيرها.
نمط طويل الأمد
"صعب ومعقد للغاية"، على هذا النحو يصف الخبير الاقتصادي محمد أبو جياب الوضع الاقتصادي الحالي في القطاع بعد الحرب في أكتوبر 2023، ويتابع: "دمّر الاحتلال مقومات العملية التشغيلية الاقتصادية، بتدميره القطاع الصناعي والزراعي والخدماتي والتكنولوجي والتجاري، مما أسفر عن تسريح عشرات آلاف العمال، وتعطيل الأعمال والمصالح بشكل كبير، ونسب بطالة تشغيلية وصلت إلى 78% في ديسمبر 2025 بحسب إحصاءات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني".
وبالرغم من حصار القطاع الذي استمر لسنوات قبل أكتوبر 2023 وما تخلله من منع إدخال المواد الخام، وتعطيل خطوط الإنتاج، وتعطيل التصدير إلى الخارج إلا أن "ما بعد الحرب أكثر صعوبة ومأساوية مما كان عليه قبلها بمراحل"، فقد قدرت الخسائر الأولية المباشرة في 15 قطاعاً حيوياً بأكثر من 33 مليار دولار خلال 2025 بحسب ما أعلنه المكتب الإعلامي الحكومي في ديسمبر 2025.
"تدمير الاحتلال لتلك القطاعات، أنتج واقعًا وحالة اقتصادية مشوهة، فمحاولات التكيف ومحاولات الصمود للحد من فقدان الوظائف ومصادر الدخل التقليدية والطبيعية التي كانت موجودة ومعهودة جعلت من مكان النزوح عامةً والخيمة خاصةً، ملاذًا للأعمال، فبات الحاصل أو الخيمة مصنعًا، ووحدة إنتاج، ومكانًا للعمل، وكأن هذه المحاولات باتت الملاذ الأخير لأصحاب القطاعات المنتجة لتأمين قوت عائلاتها"، يتحدث أبو جياب.
ويستدرك: "مع الوقت تحول ما يمكن أن نسميه اقتصاد الخيمة إلى نمط اقتصادي طويل الأمد في ظل غياب الأفق فيما يتعلق بإعادة الإعمار، والتعويض، وإعادة الأعمال لما كانت عليه قبل، حتى أن أشكال وأنماط المساعدات الإنسانية لو كانت قائمة على إعادة الحياة للقطاعات الاقتصادية لكان الحال أفضل، لكن حتى هي باتت تؤثر سلبًا على حركة الاقتصاد المحلي".
وعن سؤاله عن أبرز العقبات التي تعيق تنشيط الاقتصاد اليوم بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، يجيب: "هي عراقيل الاحتلال التي يضعها في وجه عودة اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وتمكينها من العمل، والدمار الكبير الموجود، وإبقاء حالة الحصار على المعابر، ومنع إدخال المواد الخام، والبضائع، وغيرها".
وعن السياسات الاقتصادية التي يجب تبينها لدعم سيل العيش للسكان يشرح: "أعتقد أنه من المهم أن تتحوّل العملية الإغاثية الإنسانية إلى عملية دعم وتعافي اقتصادي؛ وذلك بلا شك برفع يد الاحتلال الثقيلة عن المعابر، وتكثيف وتسريع جهود المجتمع الدولي في إعادة التمويل والإعمار للقطاعات المختلفة".