أزمة ممتدة وحقوق مهدورة: مستجدات الحالة الإنسانية في قطاع غزة

أزمة ممتدة وحقوق مهدورة: مستجدات الحالة الإنسانية في قطاع غزة

أزمة ممتدة وحقوق مهدورة: مستجدات الحالة الإنسانية في قطاع غزة

يواصل قطاع غزة الانزلاق في واحدة من أعقد وأقسى الأزمات الإنسانية المعاصرة، حيث تتشابك العمليات العسكرية المستمرة مع الانهيار شبه الكامل للخدمات الأساسية، لتنتج واقعاً يومياً مثقلاً بالخسائر البشرية والحرمان الواسع من الحقوق الأساسية. ويُظهر التحديث رقم 357 الصادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن المدنيين ما زالوا يدفعون الثمن الأكبر، في ظل بيئة تتآكل فيها مقومات الحياة الكريمة بصورة متسارعة.

لا تزال الأعمال العسكرية لجيش الاحتلال الاسرائيلي، بما في ذلك الغارات الجوية وإطلاق النار على طول الخط الأصفر، تسفر عن سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، بمن فيهم الأطفال والعاملون في المجالين الطبي والإنساني، ووفق المعطيات الموثقة حتى 11 فبراير 2026، فقد بلغ إجمالي عدد القتلى والجرحى منذ 7 أكتوبر 2023 نحو 72045 قتيلاً و171686 جريحاً، فيما سُجل خلال الأسبوعين الأخيرين وحدهما 109 قتيل و252 إصابة، إضافة إلى انتشال 10 جثامين من تحت الأنقاض. هذا الاستمرار في تعرّض السكان لمخاطر مباشرة يعكس هشاشة الحماية المتاحة لهم، ويثير مخاوف جدية بشأن احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبدأي التمييز والتناسب.

على صعيد النزوح، تشير المعطيات إلى أن نحو 1.4 مليون شخص - أي ما يقارب ثلثي سكان القطاع - يعيشون في قرابة ألف موقع نزوح، تتفاوت بين مراكز إيواء مكتظة وخيام مؤقتة تفتقر لأدنى معايير الخصوصية والسلامة. هذه التجمعات السكانية الهشة لا توفر الحماية من العوامل الجوية القاسية، ولا تضمن بيئة صحية ملائمة، ما يضاعف من مخاطر انتشار الأمراض ويعمق معاناة الفئات الأكثر ضعفاً، وعلى رأسها الأطفال وكبار السن والأشخاص ذوو الإعاقة.

القطاع الصحي يقف على حافة الانهيار. فالمستشفيات والمرافق الطبية تعمل بقدرات محدودة، في ظل نقص حاد في الكوادر المتخصصة والمستلزمات الطبية والمعدات الأساسية. ورغم استئناف محدود لعمليات الإجلاء الطبي عبر معبر رفح، فإن آلاف المرضى والجرحى لا يزالون بحاجة ماسّة إلى علاج متقدم غير متاح داخل القطاع، فقد جرى خلال الفترة بين 2 و10 فبراير 2026 شملت 142 مريضًا ومرافقيهم عبر معبري رفح وكرم أبو سالم، فإن الاحتياجات ما تزال تفوق القدرة المتاحة بكثير، إذ تشير التقديرات إلى أن أكثر من 18500 مريض، بينهم نحو 4000 طفل، بحاجة عاجلة للإجلاء الطبي. ومنذ أكتوبر 2023، تم إجلاء ما يزيد عن 10762 مريضاً و12000 ألف مرافق، وهو رقم يعكس حجم الضغط المتراكم على نظام صحي يعمل بإمكانات شبه منهار.. هذا الواقع يهدد الحق في الصحة والحياة، ويُبرز الفجوة بين الاحتياجات الفعلية والإمكانات المتاحة.

أما في مجال المياه والصرف الصحي، فرغم بعض التحسن النسبي في إتاحة مصادر المياه، فإن جودة المياه ما تزال غير آمنة في كثير من المناطق، ما أدى إلى ارتفاع ملحوظ في حالات الإسهال والتهاب الكبد الوبائي (أ)، خصوصًا بين الأطفال، ورغم توزيع ما يقارب 19969 متراً مكعباً من مياه الشرب يومياً عبر 2146 نقطة توزيع، فإن اختبارات الجودة تُظهر أن أكثر من 77% من عينات المياه لا تستوفي معايير السلامة الصحية. وقد انعكس ذلك في تسجيل ما يزيد عن 496000 حالة إسهال حاد خلال الأشهر الماضية، وهو رقم يقارب ضعف المعدلات المسجلة في العام السابق، ما ينذر بأزمة صحية ممتدة تتجاوز آثارها الطارئة.. كما أن ضعف البنية التحتية وتكدّس النفايات ونقص الوقود لتشغيل المرافق يزيد من تعقيد المشهد، ويضع السكان أمام مخاطر صحية متراكمة.

في سياق المأوى، لا تزال القيود المفروضة على إدخال مواد البناء تعيق جهود إعادة التأهيل أو إنشاء مساكن أكثر استدامة، ما يُبقي مئات الآلاف في خيام لا تصمد أمام الأمطار والرياح. كما تدفع الحاجة بعض السكان إلى اللجوء لمبانٍ مدمرة أو مناطق قد تكون ملوثة بمخلفات الذخائر غير المنفجرة، ما يشكّل تهديدًا إضافيًا للحياة والسلامة البدنية.

رغم الجهود التي تبذلها المنظمات الإنسانية لتنسيق البعثات وإيصال المساعدات، تواجه الاستجابة تحديات كبيرة، من بينها القيود الأمنية، وتأخر الموافقات، وصعوبات التخزين والتوزيع. ويتفاقم الوضع مع تأثير الأحوال الجوية على سلامة المواد الغذائية، وامتلاء مواقع التخلص من النفايات، ومحدودية القدرة اللوجستية داخل القطاع.

وتتفاقم الأزمة في ظل فجوة تمويلية حادة، إذ لم يُصرف حتى 11 فبراير 2026 سوى 212 مليون دولار من أصل 4 مليارات دولار مطلوبة لخطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026، أي ما لا يتجاوز 5% من إجمالي الاحتياجات المقدّرة. هذا العجز المالي يحد بشكل مباشر من قدرة المنظمات الإنسانية على توسيع تدخلاتها أو ضمان استدامتها.

في المجمل، يكشف التقرير عن أزمة ممتدة لا تقتصر على الأرقام، بل تمتد إلى جوهر الحقوق الأساسية للسكان المدنيين: الحق في الحياة، والصحة، والمأوى اللائق، والمياه الآمنة، والحماية من الأخطار. وبينما تستمر عمليات جيش الاحتلال الإسرائيلي العسكرية وتتراكم الاحتياجات، يبقى المدنيون في غزة عالقين في دائرة من الخطر والحرمان، في انتظار استجابة إنسانية أكثر فاعلية، وضمانات حقيقية لحمايتهم بموجب القانون الدولي.

المصادر:

  • مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، آخر مستجدّات الحالة الإنسانية رقم 357 – قطاع غزة، 12 فبراير 2026.
  • بيانات وإحاطات إنسانية مرافقة صادرة ضمن نفس التحديث.
  • تقارير أممية.

  •   محمود وفيق الشرقاوي

      محامٍ وكاتب فلسطيني، هُجرت عائلته إلى قطاع غزة عام 1948 من مدينة يافا، باحث قانوني ضمن فريق المرصد الفلسطيني للنزوح الداخلي.

المرصد الفلسطيني للنزوح الداخلي